العودة إلى أقسام الدراسة

القسم 1 من ٢٢

الديباجة والسياق الوطني

يضع المشروع ضمن التوجهات الوطنية للتنمية القروية والسياحة المستدامة والسيادة الغذائية، ويبيّن كيف يخدم استغلال صغير مندمج هذه الأولويات العمومية.

الديباجة والسياق الوطني

يمتلك المغرب مقومات استثنائية تؤهله لتطوير جيل جديد من مشاريع السياحة القروية والفلاحية المندمجة، تقوم على الربط بين الأرض والضيافة والمنتوج المحلي والثقافة المجالية. فالتنوع الجغرافي والمناخي والثقافي للمملكة لا يتيح فقط إنشاء مرافق للإيواء خارج المدن، بل يسمح ببناء تجارب سياحية متكاملة تمنح الزائر فرصة العيش داخل محيط فلاحي منتِج، والتعرف على أساليب الزراعة المحلية، وتذوّق المنتجات في مكان إنتاجها.

ولا يقوم هذا النموذج على منافسة الفنادق التقليدية أو المنتجعات الساحلية الكبرى من حيث الحجم أو كثافة البناء، بل يقدّم بديلاً مختلفاً قائماً على الأصالة والهدوء وانخفاض الكثافة العمرانية والاندماج في البيئة وجودة التجربة الإنسانية. فالزائر لا يقصد المشروع للحصول على غرفة فقط، بل على تجربة متكاملة تشمل الإقامة والطعام المحلي والطبيعة والزراعة والحيوان والماء والأنشطة العائلية والمنتجات التي تحمل هوية المكان.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية في ظل الدينامية التنموية التي تعرفها المملكة، وما تشهده من استثمارات في البنية التحتية والنقل والطرق والمطارات، وتطوير العرض السياحي استعداداً للاستحقاقات الدولية الكبرى وفي مقدمتها كأس العالم 2030. ولا يقتصر أثر هذه الدينامية على المدن المستضيفة، بل يمتد إلى المناطق القروية وشبه القروية المحيطة بها، بسبب ارتفاع الطلب المتوقع على الإقامات البديلة والتجارب العائلية والمطاعم المحلية.

ولا ينظر المشروع إلى السياحة والفلاحة باعتبارهما نشاطين منفصلين، بل نشاطين يكمّل كل منهما الآخر: فالفلاحة توفّر للمشروع هويته ومنتجاته وتجربته، بينما توفّر السياحة للفلاحة منفذاً مباشراً للتسويق وقيمة مضافة أعلى من مجرد بيع المنتوج في سوق الجملة. فالعنب يُقدَّم طازجاً للنزلاء أو يدخل في العصائر، والعسل يُقدَّم ضمن الفطور ويُباع بعبوة تحمل هوية المشروع، والبيض والخضروات والأعشاب تُستعمل داخل المطعم، والأسماك تُربّى في البحيرة وتدخل ضمن نشاط الصيد والطهي.

ويؤدي هذا التكامل إلى إنشاء دورة داخلية للموارد: الزراعة تنتج الغذاء، والمطعم يستهلك جزءاً من الإنتاج، والنزلاء يشترون المنتجات، ومخلفات الغذاء والحيوان تتحول إلى سماد يعود إلى الأرض، والمياه يُعاد توظيفها في الري، والطاقة الشمسية تشغّل جزءاً من دورة الماء والإنتاج. وبذلك لا تنحصر قيمة المشروع في عدد الغرف أو الليالي السياحية، بل تتوزع على الإيواء والطعام والمناسبات والأنشطة الزراعية والصيد الترفيهي وبيع المنتجات والتجارب الموسمية.

وعلى المستوى الاجتماعي، ينقل المشروع الفلاح من الإنتاج الفردي إلى منظومة تشغيل محلية: فهو يخلق حاجة إلى عمال زراعة وصيانة ورعاية حيوانات، وطباخين ومساعدي مطبخ، وعمال استقبال وخدمة وتنظيف، ومنسّقي مناسبات، وتقنيي مياه وطاقة، وبيطريين وموردين محليين وحرفيين وتعاونيات. وهكذا يصبح نجاح المشروع في خدمة نفسه وسيلةً لخدمة المجتمع المحيط به، ونموذجاً قابلاً للتكرار في مناطق أخرى.